ابن سيده

32

المحكم والمحيط الأعظم

النافعة ، من الديانيَّات واللِّسانيَّات ، فسَلك مناهِجَها ، وشَهَر « 1 » بمُقدّماتها نتائجَها ، وذلَّل من صِعابها ، وأخضع بفهمه من صِيدِ رِقابها ، وعلم مُنتَهَى سِبارها « 2 » ، ومَيَّز بالتأمُّل اللطيف طبقاتِ أقدارِها ، وَضَح له فضلُ هذا الكلام العربىِّ ، الذي هو مادة لكتاب اللّه جَلَّ وعزّ ، وحديثِ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم [ وشَرَّفَ وكرَّم ] « 3 » ، فلما وضَحَ له مكانُ الحاجة إلى هذه اللسان الفصيحة ، الزائدة الحُسْن ، على ما أُوتِيَه سائر الأمم من اللُّسْن ، أراد جمع ألفاظها ، فتأمَّلَ لذلك كتب رُوَاتها وحُفَّاظها ، فلم يجد منها كتاباً مستقلًا بنفسه ، مُسْتَغْنِياً « 4 » عن مثله ، مما أُلِّف في جنسه ، بل وَجَد كلّ كتاب منها يشتمل على ما لا يشتمل عليه صاحبه ، وشَلٌ [ لا ] « 5 » تعانَدُ عليه وُرَّادُه ، وكَلأٌ لا تَحَاقَدُ « 6 » في مثلِه رُوَّادُه « 7 » ، لا تشبَع فيه نابٌ ولا فَطيمة « 8 » ، ولا تُغْنِى منه خضراءُ ولا هَشيمة . ثم إنه لَحَظَ مناظر تعبيرهم ، ومَسافِر تحبيرهم « 9 » ، فما اطَّبِى « 10 » شىءٌ من ذلك له ناظرا ، ولا سَلك منه جَناناً ولا خاطرا ، وذلك لما أُوتِيَهُ وحُرِموه ، وأُوجِدَه وأُعْدِمُوه ، من ثَقابة النَّظَر ، وإصابة الفِكَر ، وكان أكثرَ ما نَقَمَه - سدّده اللّهُ - عليهم ، عُدُولُهم عن الصواب ، في جميع ما يُحتاج إليه من الإعراب ، وما أحوجهم من ذلك إلى ما مُنِعُوه ، وإن جَلَّ ما أُوتوه ، من علم اللغة ومُنِحوه ، فإن الكَحَل لا يغنى من الشَّنَب ، وإنّ في الخمر معنىً ليس في العِنب . وأىُّ مُوَاقَفة أخْزَى لواقفها ، من مَقامَة أبى يوسفَ يعقوبَ بن إسحاقَ [ بن ] « 11 » السِّكِّيت ، مع أبي عثمانَ المازنىّ ، بين يدي أمير المؤمنين جعفرٍ المتوكل ؟ وذلك أن أمير المؤمنين قال : يا مازنىُّ سَلْ يَعْقوبَ عن مسألة من النحو ، فتَلَكَّأ المازنىّ ، عِلْما بتأخر يعقوب في صناعة الإعراب ، فعزم المتوكلُ عليه ، وقال : لابدّ لك من سُؤاله ، فأقبل المازنىّ يُجْهِد نفسه في

--> ( 1 ) في بعض النسخ : وبرهن . ( 2 ) السبْر : التجربة ، واستخراج كنه الأمر . ( 3 ) ما بين [ ] زيادة من بعض النسخ . ( 4 ) في بعض النسخ : مغنيا . ( 5 ) ما بين [ ] زيادة أثبتها المحققان وافقناهم عليها ، والوشل من الأضداد فهو قليل الماء وهو كثير الماء والأنسب هنا أنه كثير الماء . ( 6 ) قوله تعانَدُ ، وتحاقَدُ ، أي : تتعاند ، وتتحاقد ، فخفف بحذف إحدى التاءين . ( 7 ) في بعض النسخ : وكلأ لا تعاقد فيه قلة رواده . ( 8 ) الفطيمة : الشاة إذا فطمت ، والناب : الناقة المسنة . ( 9 ) التحبير : حسن الخط . ( 10 ) طبيته عن الأمر : صرفته . ( 11 ) ما بين [ ] ليس في المطبوع ، وما أثبتناه من ترجمته في السير ( 12 / 16 ) ؛ وبغية الوعاة ( 2 / 349 ) .